هل اعتدنا الجريمة أم أن الجريمة اعتادتنا؟
لماذا أصبحت السوشيال ميديا جريدة أخبار الحوادث؟
لا تثبت كثرة أخبار الجرائم التي نراها على هواتفنا أن معدل الجريمة ارتفع بالضرورة، لكنها تعني أن الجريمة أصبحت أكثر حضورًا في يومنا وأكثر قدرة على الوصول إلينا. التعرض المتكرر لأخبار القتل والحوادث والمشاهد الدموية قد يزيد القلق لدى بعض الأشخاص، بينما قد يؤدي لدى آخرين إلى انخفاض تدريجي في الاستجابة الانفعالية تجاه هذه المشاهد.
في السابق كانت هناك مطبوعة أسبوعية معروفة باسم «أخبار الحوادث». كانت تعرض الجرائم والحوادث وتبرز الوجه القاسي للمجتمع، لكنها ظلت جزءًا صغيرًا من الأسبوع؛ يمكنك شراء المطبوعة أو تجاهلها.
أما اليوم فنحن نعيش داخل أخبار الحوادث باستمرار.
عندما تفتح فيسبوك أو تيك توك أو إنستغرام، قد تجد جريمة قتل، أو حادثًا مروعًا، أو فيديو دماء وصراخ، أو تفاصيل قاسية، أو خبر انتحار، ثم مئات التحليلات والآراء. وكأن السوشيال ميديا تحولت إلى صحيفة حوادث تعمل على مدار الساعة.
مؤخرًا زادت مساحة تغطية حوادث القتل والقضايا الجنائية، وأصبحت بعض القضايا تحتل مكانًا بارزًا في النقاشات ساعات أو أيامًا متواصلة.
هل زادت الجرائم فعلًا أم زادت قدرتنا على رؤيتها؟
لا يمكن إثبات ارتفاع معدل الجريمة من خلال ما يظهر على صفحات السوشيال ميديا. معرفة ما إذا كانت الجرائم قد زادت تحتاج إلى إحصاءات رسمية تقارن بين الفترات الزمنية، لا إلى عدد المقاطع التي تقترحها الخوارزميات.
في الماضي كانت الجريمة تقع في مكان ما، ولا يعرف عنها إلا عدد محدود من الناس. أما الآن فقد يصبح أي حادث، بعد دقائق من وقوعه، معروضًا على هواتف الملايين، ويبدأ الجميع في التحليل والنقد وسرد التفاصيل، أحيانًا دون علم أو معرفة حقيقية.
المشكلة إذن ليست في معرفة الخبر وحدها، بل في الإفراط في التغطية، وتكرار المشاهد نفسها، وتحويل الوقائع إلى حلقات مستمرة من التخمين والتحليل غير المتخصص.
لماذا نشعر بأن العالم أصبح أكثر رعبًا؟
عندما يبدأ يومك بجريمة، ثم ترى حادثًا في الظهيرة، وتشاهد ليلًا مقطع قتل أو اعتداء، قد يبقى العقل في حالة تأهب حتى بعد إغلاق الهاتف.
العقل لا يتعامل دائمًا مع تكرار المشهد باعتباره مجرد إعادة للخبر نفسه. كل صورة جديدة أو زاوية مختلفة قد تجدد الإحساس بالخطر، خاصة عندما تكون المشاهد قريبة من حياة الشخص أو أسرته.
وجدت دراسة أُجريت عقب تفجيرات ماراثون بوسطن أن التعرض الإعلامي المتكرر للتغطية المرتبطة بالحادث لمدة ست ساعات أو أكثر يوميًا ارتبط بمستويات أعلى من الضغط النفسي الحاد مقارنة ببعض صور التعرض المباشر للحدث. الارتباط لا يعني أن التغطية كانت السبب الوحيد، لكنه يوضح أن مشاهدة الحدث من بعيد لا تجعل أثره النفسي معدومًا.
وقد يظهر هذا الأثر في صورة:
-
القلق المستمر أو سرعة الانفعال.
-
صعوبة النوم أو تكرار التفكير في الحوادث قبل النوم.
-
الخوف الزائد على الأبناء وأفراد الأسرة.
-
توقع وقوع الأسوأ عند تأخر شخص عن المنزل.
-
الشعور بأن الشوارع والناس أصبحوا أكثر خطرًا.
-
تجنب أماكن أو أنشطة عادية بسبب الخوف.
إذا بدأت هذه المخاوف تؤثر في حياتك، يمكنك التعرف بصورة أوسع إلى القلق والتوتر وطرق التعامل معهما. وقد يساعدك أيضًا مقال لماذا يفكر عقلي في كل شيء قبل النوم؟ على فهم نشاط الأفكار في نهاية اليوم.
ما التبلد الانفعالي تجاه أخبار الجرائم؟
التبلد الانفعالي هو انخفاض الاستجابة العاطفية تجاه مشهد كان يثير سابقًا قدرًا أكبر من الصدمة أو الحزن. لا يعني ذلك أن الشخص فقد إنسانيته أو أصبح بلا مشاعر، بل قد يكون شكلًا من أشكال الاعتياد الناتج عن تكرار التعرض.
مع مرور الوقت قد نقرأ خبر وفاة أو نشاهد آثار حادث ونحن نأكل، ثم ننتقل بعد ثوانٍ إلى مقطع ترفيهي أو إعلان، وكأن المأساة أصبحت مجرد وحدة أخرى من المحتوى.
تشير بعض الدراسات إلى ارتباط التعرض المتكرر للعنف الإعلامي بانخفاض الاستجابة الانفعالية والفسيولوجية اللاحقة لبعض المشاهد العنيفة. لكن تأثير ذلك يختلف من شخص إلى آخر، ولا يعني أن كل من يشاهد أخبار الحوادث سيصاب بالتبلد الانفعالي.
المفارقة أن النتيجتين قد تحدثان في البيئة الرقمية نفسها: شخص يعتاد المشهد ويصبح أقل تأثرًا، وشخص آخر يعيش في خوف واستنفار دائمين.
هل تجعل تغطية الجرائم العنف أمرًا اعتياديًا؟
قد تجعل طريقة عرض الجريمة العنف يبدو أكثر اعتيادية عندما يتحول القاتل إلى بطل قصة، أو تُعاد تفاصيل الجريمة عشرات المرات، أو تُناقش مبرراتها كما لو كانت تفسيرًا كافيًا لما حدث.
في النقاشات المحيطة ببعض القضايا، تظهر روايات تصف مرتكب الجريمة باعتباره ضحية للخيانة أو النصب أو الاستفزاز. وقد يبدأ البعض في الحديث عن القتل كأنه نتيجة متوقعة لأي صراع أو خيانة.
فهم دوافع الجريمة لا يعني تبريرها، ووجود خلاف أو خيانة أو ضغط نفسي لا يحول العنف إلى رد طبيعي أو مقبول. المسؤولية عن الجريمة تظل قائمة، ولا ينبغي للتغطية أن تطبع العنف أو تمنحه بطولة زائفة.
متى تتحول متابعة الأخبار إلى استنزاف نفسي؟
تصبح متابعة أخبار الحوادث مؤذية نفسيًا عندما لا يعود الهدف هو معرفة ما حدث، بل الاستمرار في مشاهدة المقاطع والتعليقات والتوقعات ساعات طويلة.
من علامات الاستنزاف:
-
البحث المتكرر عن تفاصيل جديدة رغم الشعور بالضيق.
-
مشاهدة المقاطع الدموية أكثر من مرة.
-
استمرار صور الحادث في الذهن بعد إغلاق الهاتف.
-
تغير النوم أو الشهية أو القدرة على التركيز.
-
زيادة الخوف على النفس والأسرة بصورة تعطل الحياة.
-
الشعور بالخدر أو اللامبالاة تجاه معاناة الآخرين.
-
نقل أخبار غير مؤكدة والمشاركة في التحليلات دون مصدر موثوق.
وقد تظهر الاستجابة للقلق في صورة خفقان أو شد عضلي أو اضطراب بالمعدة. يشرح مقال أعراض القلق الجسدية ومتى تحتاج إلى طبيب الفروق التي ينبغي الانتباه إليها.
كيف نتابع الأخبار دون أن نعيش داخلها؟
نحن بحاجة إلى معرفة ما يحدث، لكننا لا نحتاج إلى العيش داخل كل حادث أو مشاهدة كل تفاصيله.
يمكن تقليل الأثر النفسي من خلال:
-
الاعتماد على مصدر أو مصدرين موثوقين بدل متابعة عشرات الصفحات.
-
قراءة ملخص الخبر دون مشاهدة المقاطع الدموية.
-
إيقاف التشغيل التلقائي للفيديوهات.
-
تحديد وقت لمتابعة الأخبار بدل فتحها طوال اليوم.
-
تجنب أخبار الجرائم قبل النوم مباشرة.
-
عدم إعادة نشر صور الضحايا أو المشاهد الصادمة.
-
مغادرة النقاش عندما يتحول إلى شائعات أو تحريض أو تبرير للعنف.
-
أخذ استراحة من الأخبار إذا بدأت تؤثر في النوم أو الشعور بالأمان.
-
طلب دعم نفسي عندما يستمر الخوف أو الضغط ويؤثر في الحياة اليومية.
إذا تركت مشاهدة حادث أو جريمة أثرًا مستمرًا في النوم أو الشعور بالأمان، يمكنك الاطلاع على مسار دعم الصدمات والتجارب المؤلمة، أو التواصل مع فريق وعي للمساعدة في تحديد نوع المختص المناسب.
هل للجريمة سبب واحد؟
لا يمكن تفسير الجرائم بعامل واحد مثل الظروف الاقتصادية، أو الجهل، أو ضعف الوازع الديني، أو ضغوط الحياة. قد تتداخل عوامل شخصية وأسرية واجتماعية ونفسية وقانونية، ويختلف وزن كل عامل من واقعة إلى أخرى.
طرح الأسئلة عن جذور الجريمة ضروري، لكن الإجابات السريعة قد تكون مضللة مثل التحليلات العشوائية المنتشرة بعد كل حادث. ما نحتاج إليه هو فهم قائم على المعرفة والبيانات، مع الحفاظ على المسؤولية القانونية والأخلاقية وعدم تحويل الجريمة إلى مادة للترفيه.
معرفة الأخبار حق، لكن حماية صحتنا النفسية مسؤولية أيضًا. ليس مطلوبًا أن نتجاهل العالم، بل أن نختار كيف يدخل إلينا، وكم من الوقت يبقى داخلنا.
أسئلة شائعة عن تأثير أخبار الجرائم
هل مشاهدة أخبار الجرائم تسبب القلق؟
قد تزيد مشاهدة أخبار الجرائم القلق لدى بعض الأشخاص، خاصة مع التكرار والمشاهد الدموية أو وجود تجربة سابقة مرتبطة بالخوف أو الفقد. لا يتأثر جميع الأشخاص بالطريقة أو الدرجة نفسها.
هل التبلد تجاه مشاهد العنف يعني أن الشخص قاسٍ؟
لا. انخفاض الاستجابة لمشهد متكرر قد يكون نتيجة الاعتياد، ولا يعني وحده أن الشخص قاسٍ أو فاقد للتعاطف. يصبح الأمر جديرًا بالانتباه إذا امتد إلى التعامل مع معاناة الناس في الحياة الواقعية.
هل يجب التوقف عن متابعة الأخبار تمامًا؟
ليس بالضرورة. الأفضل هو متابعة الأخبار من مصادر موثوقة وفي أوقات محددة، مع تجنب المقاطع الدموية والتغطية المتكررة التي لا تقدم معلومات جديدة.
لماذا أخاف على أسرتي بعد مشاهدة الحوادث؟
تكرار أخبار الحوادث قد يجعل الخطر أكثر حضورًا في الذهن، فيبدأ العقل في توقع وقوعه لأشخاص قريبين. إذا أصبح الخوف مفرطًا أو أثر في الحياة والنوم، فقد يكون من المفيد التحدث مع مختص نفسي.
متى أحتاج إلى مساعدة نفسية؟
قد تحتاج إلى استشارة نفسية إذا استمر القلق أو الخوف، أو ظهرت كوابيس وصور ذهنية متكررة، أو تغير نومك، أو أصبحت تتجنب أنشطة عادية بسبب أخبار شاهدتها.
عن الكاتبة
د. أمنية ناجي شعيب
معالجة نفسية ومتخصصة علاقات أسرية، تمتلك خبرة مهنية وعملية تتجاوز 20 عامًا في الصحة النفسية والتقييم والعلاج النفسي.
المراجع العلمية
-
Holman EA, Garfin DR, Silver RC. Media’s role in broadcasting acute stress following the Boston Marathon bombings. Proceedings of the National Academy of Sciences, 2014.
-
Holman EA et al. It matters what you see: Graphic media images of war and terror may amplify distress. Proceedings of the National Academy of Sciences, 2024.
-
Krahé B et al. Desensitization to media violence: Links with habitual media violence exposure, aggressive cognitions, and aggressive behavior. Journal of Personality and Social Psychology.